الأخبار » مقالات » الاتصال الحكومي وتغير موازين القوى

الاتصال الحكومي وتغير موازين القوى

  ,   التاريخ : 2019-03-20 05:51 AM


بعد إطلاق الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة وتركيزها على دور الأفراد والمجتمعات في تحقيقها، انشغل خبراء العلوم الاجتماعية بتطوير مناهج لتعزيز قدرة الفرد على تغيير سلوكه نحو الإيجابي والبناء، وذلك استناداً إلى حقيقة أن تجارب نهضة البلدان وتحقيق سياساتها التنموية تبدأ من الفرد ذاته، وقدرته على التغيير.

ولكن لإنجاح عملية بناء قاعدة تنموية بشرية، لا يكفي التركيز على دور الفرد وحده، إذ يضم المجتمع إلى جانب الأفراد، مؤسسات وشركات بأحجام وتخصصات مختلفة، لها ثقافتها الخاصة وممارساتها المؤثرة، وهو ما يفرض تسليط الضوء على أهمية تطوير السلوك المؤسسي، بحيث تكون المؤسسة قدوة للفرد والمؤسسات الأخرى، ويكون خطابها منسجماً مع فعلها وليس غريباً عنه.

ولعل من النتائج الإيجابية لتجربة الاتصال الحكومي في المنطقة والعالم أنها غيّرت من موازين القوى التقليدية التي كانت سائدة بين المؤسسات قبل ثورة أدوات التواصل، حيث أصبح الاتصال الفعال أحد أهم عوامل قوة ونجاح المؤسسات، فالمؤسسة التي تملك أدوات اتصال مؤثرة وقادرة على تقديم ثقافتها وقيمها للجمهور وبالتالي بناء علاقة قوية معه، أكثر تأثيراً وحضوراً من المؤسسة التي لا تهتم بعلاقتها مع الجمهور ولا تبتكر في طرق وأدوات اتصالها.

عند الخوض في هذا السياق يبرز سؤال محوري: كيف يساهم الاتصال الحكومي في تطوير دور وممارسات المؤسسات، أو كيف يمكن للاتصال الصادر عن المؤسسة أن يكون أداة قياس لممارساتها وسبباً في تعزيز مصداقيتها؟

تلجأ المؤسسات والشركات، الخاصة والعامة، حول العالم إلى تبني قضايا تهم الرأي العام، سواء كانت هذه القضايا ذات بعد اقتصادي أو اجتماعي أو حتى سياسي. ثم تبدأ بتصميم حملات اتصال برسائل مؤثرة للترويج لهذه القضايا بهدف إقناع الجمهور بدورها في خدمة المصالح العامة. وبما أن ثورة الاتصال جعلت الوصول إلى الحقيقة أمراً سهلاً، أصبح لزاماً على تلك المؤسسات أن تحقق التوافق بين ما تقوله وما تفعله، وأن تكون نموذجاً حقيقياً يترجم خطابها ويحفظ مصداقيتها أمام الجمهور.

 

سهولة وصول الجمهور للمعلومة جعلت من رسائل الاتصال ملزمةً للمؤسسة ذاتها، كونه يشكل تعهداً علنياً بالتزام مواقف معينة أمام شريحة واسعة من الناس، مواقف تترجم في ممارسات المؤسسة وسياساتها وثقافتها، وتعزز مكانتها كأداة تطوير وبناء وتنمية ، بحيث تقدم لجمهورها من خلال هذه الممارسات مثالاً عملياً عما تنادي به.

إن  مصداقية الخطاب وانسجامه مع ممارسات المؤسسة التي أنتجته، يدفع باتجاه أن تبدأ المؤسسات بابتكار طرق لقياس مدى تأثير خطابها على الجمهور، وأن تستخدم نتائج هذا القياس لتطوير خطابها وتصحيح ممارساتها المؤسسية، فالكثير من الحكومات والمؤسسات والكيانات في العالم، تلجأ إلى مراكز استطلاع الرأي لمعرفة أين وصل خطابها في وعي الجمهور، وبناءً على تحليل نتائج الاستطلاع، تتخذ الجهات المعنية بالاتصال إجراءاتها اللازمة لتحديث خطابها وتعديل ممارساتها لتكون الممارسة في هذه الحالة جزءاً  من عملية الاتصال ذاته، وهو ما يحقق النظرية القائلة، إن القيادة الحقيقية تكون من خلال تقديم النموذج وليس التوجيه بالقول فقط.

هكذا يصبح الاتصال الحكومي والمؤسسي عاملاً جديداً يضاف إلى موازين القوى التي تحكم العلاقة بين المؤسسات، ومدخلاً لتطوير المؤسسة والارتقاء بقيمها وصورتها وأدائها، فالاتصال الحكومي الناجح ليس مجرد خطاب يأتي من الفراغ، بل هو حصيلة نضج في قيم وممارسات المؤسسة، أي حصيلة التناغم بين القول والفعل، وحصيلة أن يكون كل فرد في المؤسسة نموذجاً اجتماعياً رائداً بحد ذاته.  

إضافة تعليق