الأخبار » » "لؤلؤة عجمان" رحلة عصرية في تراث الأجداد

"لؤلؤة عجمان" رحلة عصرية في تراث الأجداد

  ,   التاريخ : 2018-01-11 07:07 PM

رحلة فريدة من طراز خاص، تجمع ما بين الثقافة والسياحة والتراث، ما إن تستقل ذاك «الجالبوت» القديم حتى تجد نفسك أصبحت طواشاً في عالم الغوص، تتحدث بمفردات «النوخذة»، لتصبح «المجدمي» الذي يقود سفينته بحثاً عن الذهب الأبيض، وربما تكون يداك أول من يلامسه عندما تقرر أن تقوم بدور «السيب».. رحلة اخترنا أن نخوضها مع «لؤلؤة عجمان» التي تنظم يومياً، لنقترب من أحد أهم تفاصيل التراث الإماراتي الذي شكل الدعامة الأساسية للاقتصاد في الزمن القديم، بل ومصدراً لرزق الأجداد على امتداد الشريط الساحلي للخور.
وجه عبد العزيز الإماراتي الذي تستطيع أن تقرأ على ملامحه تاريخ مهنة صيد اللؤلؤ، كان أول من استقبلنا على ذلك «الجالبوت» الذي انطلق بنا من منطقة مارينا عجمان، وهو ذلك القارب الخشبي الصغير الذي كان يمتطيه الأجداد لأسابيع عديدة، تمتد إلى أشهر وسط مياه الخليج، مودّعين نساءهم وأطفالهم، مناجين الله سبحانه وتعالى أن يُعيدهم وقد امتلأت قواربهم الصغيرة بالكنز الأبيض.
ما إن افترشت أرض الجالبوت التي اكتست بسجاجيد بدوية صنعت يدوياً، مع فناجين القهوة العربية الأصيلة وبعض من التمور، حتى بدأ الجالبوت يشق بنا مياه الخليج بهدوء، وبدا مرافقنا عبد العزيز يتحدث بفخر قائلاً: «كان أجدادنا يندفعون في مغامرة إلى البحر، تحملهم تلك القوارب التي كانت تنتظرهم على بُعد أمتار من الشاطئ، استعداداً للانطلاق في رحلة في الأعماق، بحثاً عن الكنز الأبيض، وكان النساء والأطفال يتجمعون على الشاطئ لوداعهم، وينشدون الأغاني التراثية القديمة، يبدأون بالدعاء والتلويح متمنّين لهم العودة غانمين باللؤلؤ، حيث إنها كانت من أولى المهن التي مارسها الأهالي».
تبدأ مرحلة التحضير للرحلة باختيار الوقت المناسب، ويكون أنسبها عند ميل مياه الخليج للدفء؛ أي بين مايو/أيار، وسبتمبر/أيلول، وتستغرق مرحلة التحضير شهراً تقريباً، و يحدد موعد الانطلاق بعد أن يجمع الغواصون عتادهم ويأخذون المال من «النوخذة» وهو مالك السفينة، الذي يقدم الأموال لهم سلفة ليبتاعوا ما تحتاج إليه العائلة أثناء غيابهم، حيث لم يكن لديهم مصدر رزق سوى الغوص، والسفر والصيد.
وكان الغواصون يتوزّعون على «الهيرات»، وهي مناطق صيد اللؤلؤ، التي تنتشر في معظم مناطق الإمارات، وتختلف فيما بينها من حيث التسميات تبعاً لعمقها وغناها باللؤلؤ، لذا هناك بعض المناطق التي تعرف باسم «التبراه»، وهي المناطق الغنية بالمحار الذي بدوره يكون غنياً باللؤلو.
توقف «الجالبوت» الذي نستقله قليلاً وسط المياه، ليشرح لنا مرافقنا الأدوار المختلفة التي يقوم بها الرجال، عندما قاطعته متسائلة عن أنواع رحلات الغوص، والفترة الزمنية بين كل رحلة.
أجابني قائلاً: «غوص الصيف هو الأشهر، ذلك الذي يستغرق بين 20 و25 يوماً وغوص العود، ويستغرق أكثر من شهر، بينما غوص الردة 10 أيام، ويتبعه غوص الرديدة في شهر نوفمبر».
ويتألف طاقم السفينة من «النوخذة» وهو قائد السفينة، والسردال الذي يعدّ أكفأ النواخذة وأقدمهم وأكثرهم خبرة في أماكن الهيرات، وأعماقها، والاتجاهات الصحيحة.
والغواص الذي يباشر استخراج اللؤلؤ من قاع البحر، وهو أهم شخصية بعد النوخذة. أما «السيب» فعمله الرئيسي هو إنزال الغواص إلى القاع وسحبه منه، كما يقوم بالتجديف من حين إلى آخر، في حين يقوم «المقدمي»؛ أي رئيس البحارة ونائب النوخذة بتزويد السفينة بالماء والزاد.
صمت مرافقنا قليلاً عندما قام الشاب طه بتمثيل دور «السيب» أمامنا، لنقترب أكثر من تفاصيل هذا العالم، وقبل أن أتساءل عن الطعام الذي كان يتناوله الأجداد طوال أشهر الإبحار، قال طه بعد شرحه لدور«السيب»: «كان لديهم على الجالبوت من يقوم بدور الطباخ الذي يقوم بإعداد السمك والقهوة والشاي، وكل الأمور المتعلقة بالمعيشة».
التقط عبد العزيز الحديث من طه، ليحدثنا عن أهم الأدوات التي كان الأجداد يستخدمونها في رحلاتهم البحرية، ليبدأ من عند «الفطام» قائلاً: «هو ذلك المشبك الذي يضعه الغواص على أنفه أثناء الغوص، حتى لا تتسرب المياه إلى جوفه، وها هي
الحصاة أو الحجر الذي يربط في رِجْل الغواص، ليساعده على النزول إلى العمق المطلوب، ثم الشمشول، وهو الرداء الأسود السميك الذي كان يرتديه الغواص.
ومن الأدوات التي لا يمكن الاستغناء عنها على متن السفينة «الديين»، الذي يلتقط به المحار، وكذلك يستخدم «الخبط» وهو قفاز مصنوع من جلد الغنم أو البقر، لحماية الأصابع أثناء التقاط المحار وفتحه».
انتهى مرافقنا من حديثه الذي أزاح لنا الستار عن كواليس عالم الغوص، وفد حانت اللحظة الحاسمة التي فاجأنا بها، عندما أزاحت يداه غطاء تلك السلة لنرى المحار يتوسطها في انتظار «اليلاس»، وهو لقب من يقرر أن يفتح المحار ليمسك باللؤلؤة بين يديه، وها هي يد عبد العزيز تفتح المحار، لتقع أنظارنا على تلك الصغيرة التي تلمع وتتأرجح في قلب المحار.. إحساس وشعور لا يوصف عندما ترقب تلك اللحظة التي غامر من أجلها الأجداد بأرواحهم وأعمارهم، بل وبذلوا من أجلها مجهوداً كبيراً، وتحمّلوا عناء البحر وغدره، لكن ما إن تلمس يداك تلك اللؤلؤة التي تتدحرج يميناً ويساراً بين كفّيك حتى تشعر بسعادة طفولية تنتابك، ربما فقط وقتها تستطيع أن تعرف قيمة ما فعله الأجداد منذ القدم.
أفقت من حالتي على صوت مرافقنا يشرح أنواع اللؤلؤ التي تتنوع ما بين الشكل الدائري، ونصف الدائري، والتنمبولي الذي يشبه الكمثري، بينما تتنوع الأحجام بين ما يسمى بالرأس وهي اللآلئ الكبيرة، والبطن التي تأتي بعدها، ثم الذيل وهي الأكثر توافراً.
قاربت رحلتنا على الانتهاء، وقارب «الجالبوت» أن يرسوَ بنا على الشاطئ الذي بدا لنا قريباً، عندما اخترقت آذاننا أهازيج العودة التي تغنّى بها مرافقونا، وفسرها لنا عبد العزيز، بأنها تلك الأهازيج التي كان الأهالي يستقبلون بها أجدادنا العائدين من رحلات غوصهم، التي طالت بين أعماق البحار.
«هاتي الياسمين هاك ماء الورد والعطر الثمين عطري، البشتَ وأعطيني الخواتم، طافت البشرى بأهل الحي قومي، واتركي عنك تعِلات الهمومِ، قد سمعتُ الكُلَّ في الأسلاف يحكي عن شراعٍ في المدى، اجتاز اختبارات المحن، لا يبالي الموجَ أو لفحَ السَموم ساعديني، رتبي عنّي المساند وانثري المشموم، والأشواق في كل الجوانب وأصيخي السمع ل«للحبيب» على الشطآن عائد».

يحيي الجسمي: تجربة تعليمية وتراثية
يحيى الجسمي، مدير عام شركة عجمان القابضة التي تقدم «لؤلؤة عجمان» تحدث عن تلك التجربة بالقول: لا تهدف رحلة البحث عن اللؤلؤ هذه إلى إيجاده فقط، بل نقدم تجربة تعليمية وتراثية، تعكس دفء وعراقة الضيافة العربية الأصيلة، وتعمل على استكشاف أدوات البحث عن اللؤلؤ، بطريقة تحمل التشويق والمتعة، وتكشف كيف كانت طواقم النوخذة والطواش تمضي شهوراً متواصلة تخوض البحر بحثاً عن هذه الكنوز.
ويضيف الجسمي: نفخر بتراثنا ونعتز به، فهو يشكل لنا قيمة كبيرة على الأجيال الجديدة أن تدركها وتتعلم منها، ومن خلال تلك التجربة التي نجحت في أن تجذب لها أعداداً غفيرة من السائحين والأجانب والوافدين الذين سعدوا بتلك الرحلة التي كشفت لهم الكثير من التفاصيل عن عالم اللؤلؤ الذي كان يشكل لمواطني الإمارات مصدر رزق رئيسي خلال مواسم الغوص بحثاً عن اللؤلؤ. وكان بعض الرجال في ذلك الوقت يمتهنون زراعة النخيل في الواحات وتربية الإبل خلال المواسم الأخرى، إلا أن هذه المهنة كانت وظيفة دائمة لمعظم العاملين بها آنذاك.

إضافة تعليق